النويري

40

نهاية الأرب في فنون الأدب

أيّوب الخازن [ وهو مغيظ « 1 » ] : يا سليمان ادفعها اليه وسيّره إلى هذا الطاغية ( يعنى عبد اللَّه بن علىّ ، وكان قد خرج بالشام وأظهر الخلاف ) فوثب أبو دلامة وقال : يا أمير المؤمنين ، أعيذك باللَّه أن أخرج معهم ، وو اللَّه إني مشئوم . قال المنصور : امض فإن يمنى يغلب شؤمك . فقال : يا أمير المؤمنين ، واللَّه ما أحبّ أن يجرّب ذلك منّى على مثل هذا العسكر ، فإني لا أدرى أيّهما يغلب : يمنك أو شؤمى ؛ إلَّا أنى بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربة . فقال : دعني وهذا ، فمالك من الخروج بدّ . قال : فإني أصدقك الان ، شهدت واللَّه تسعة عشر عسكرا كلها هزمت ، وكنت سببها ، فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك تمام العشرين فافعل . فضحك المنصور وأمره أن يتخلَّف مع عيسى بن موسى بالكوفة . وعن جعفر بن حسين اللَّهبىّ قال : حدثني أبو دلامة قال : أتى بي المنصور أو المهدىّ وأنا سكران ، فحلف ليخرجنّى في بعث حرب ؛ فأخرجني مع روح بن حاتم المهلَّبىّ لقتال الشّراة « 2 » . فلما التقى الجمعان قلت لروح : أما واللَّه لو أنّ تحتى فرسك ومعي سلاحك لأثّرت في عدوّك اليوم أثرا ترتضيه ! فضحك وقال : واللَّه العظيم لأدفعنّ إليك ذلك ولآخذنّك بالوفاء بشرطك ؛ فنزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفع ذلك إلىّ ، ودعا بغيره فاستبدل به . فلمّا حصل ذلك في يدي قلت : أيها الأمير ، هذا مقام العائذ بك ، وقد قلت أبياتا فاسمعها . قال : هات ، فأنشدته : إني استجرتك أن أقدّم في الوغى لتطاعن وتنازل وضراب فهب السيوف رأيتها مشهورة وتركتها ومضيت في الهرّاب ماذا تقول لما يجئ ولا يرى من بادرات الموت بالنّشّاب

--> « 1 » زيادة عن الأعانى . « 2 » الشراة : الخوارج الذين شروا أنفسهم [ أي باعوها ] في طاعة اللَّه بالجنة .